الرئيسية / اهم التصنيفات / ” أثر المضاعف”
الاقتصاد السوري

” أثر المضاعف”

د. عامر خربوطلي
عنوان يبدو غريباً في هذه المرة لغير المختصين في علوم الاقتصاد ولكنه أكثر من واضح للمختصين وهو من أهم المحركات المكتشفة لتفسير شدة الحركة الاقتصادية وهناك عدة مضاعفات منها ما يتعلق بالاتفاق ومنها مضاعف التجارة الخارجية ومضاعف الإنفاق الحكومي ومضاعف الاستثمار وهو الأهم والأخطر على مستوى الاقتصاد الكلي.
فما هو هذا الأثر الذي يعمل مضاعفاً بمستويات كبيرة ويجعل من كرة الثلج الاقتصادية البسيطة جبلاً من الجليد قادراً على تحريك الاقتصاد وتعظيم قيمه المضافة وبالتالي زيادة مستويات الناتج المحلي الإجمالي ومعدلات النمو الاقتصادي.
والواضح من هذه المقدمة التي لم نتعرف فيها بعد على ماهية هذا (المضاعف) وآلية عمله وقدرته الغير محدودة إننا في الاقتصاد السوري بحاجة إلى وضع جميع المتطلبات الكفيلة بتشغيل آليات المضاعف لتصبح آثاره على مستوى كبير من الفاعلية لتحقيق أقصى درجات الانتعاش والتعافي الاقتصادي.
لنعود إلى أصل الموضوع لنقول أن المضاعف هو العملية الناجمة عن زيادة أولية في أحد المتغيرات الاقتصادية الكلية التي تقود في نهاية المدة إلى زيادة أكبر لذات المتغير، ولهذا يطلق على هذه العملية أثر المضاعف (هو مقياس كمي لأثر اقتصادي وهو اعتراف بأن الاقتصادات المحلي أو حتى العالمية هي عبارة عن شبكة مترابطة لمجموعة من النشاطات الاقتصادية وعندما يحصل تغير في مكان أو جزء ما من الشبكة فأن تأثيراته ستتضاعف في المكان ذاته وفي كل مكان من ذلك النظام تلك التأثيرات تنتج في تأثير كلي أكبر من التأثيرات الذي يمكن أن يتسبب به التغير الأصلي فيما لو حصل ذلك على نحو منعزل عن بقية النشاطات الاقتصادية ويرتبط هذا التحليل بالأصل بالاقتصادي الانجليزي الأشهر (جون كينز) ويعود تاريخه إلى ثلاثينيات القرن العشرين والذي ظهر في طروحات كانت جديدة على الفكر الاقتصادي السائد آنذاك كمعالجة لأزمة الكساد الكبير الذي ظهر في الاقتصادات الرأسمالية في تلك الفترة وقد اقتراح أساساً وسيلة لبلوغ العمالة الكاملة وهدفت هذه الطريقة لإدارة الطلب في المساعدة لتجاوز العجز في استثمار القطاع الخاص بقياس حجم الإنفاق الحكومي المطلوب للوصول إلى مستوى معين من الدخل القومي يسمح بالقضاء على البطالة.
يتأثر المضاعف بمقدار الميل الحدي للاستهلاك فكلما زاد هذا المقدار تعاظم أثر المضاعف وتستطيع الدولة من خلال تعديل الضرائب المباشرة أن تؤثر في حجم المضاعف فعلى سبيل المثال يزيد خفض ضريبة الدخل من مقدار الدخل الإضافي الممكن إنفاقه على شراء سلع وخدمات إضافية وتتحكم عدة عوامل في تأثير هذا المضاعف منها الميل إلى شراء ما يستورد من خارج البلد فإذا ما تم إنفاق جزء من الدخل الإضافي على الواردات فإن هذا النوع من الطلب لن ينعكس على الإنتاج المصنع محلياً إنفاقاً إضافياً كما يتطلب عمل المضاعف وجود طاقة احتياطية في الاقتصاد يمكن من خلالها زيادة حجم الإنتاج وإذا لم يكن العرض مرناً يصبح من غير الممكن الحصول على تأثير تام للمضاعف لأن الزيادة في الطلب الكلي ستقود إلى زيادة في الأسعار بدلاً من الزيادة الكلية في الناتج القومي الحقيقي.
ولتبسيط الأمور أكثر نفترض أنه حصلت زيادة في الاستثمارات الخاصة بمقدار معين فإن هذه الزيادة سوف تحدث مجموعة من ردود الأفعال فشراء السلع الاستثمارية من آلات وتجهيزات ومواد أولية سينتج عنها زيادة في دخول منتجي وموردي هذه المواد وإذا ما قام المنتجون بإنفاق ثلاثة أخماس الزيادة الإضافية مثلاً الحاصلة في دخولهم فإن ذلك سيزيد من حجم الدخل الكلي الناجم عن الاستثمار الأولي وتستمر موجة الزيادات في الدخل مادام المنتجون ومقدمو الخدمات سيستفيدون من تلك الزيادة بفعل الترابط بين سلاسل الأعمال والتوريدات بشرط استمرار وجود ميل حدي كبير للاستهلاك أي طلب استهلاكي فعَّال.
فعلى سبيل المثال وعلى مبدأ (وبالأضداد تُعرف الأشياء) فيمكن التعرف على أثر المضاعف الاستثماري عبر الآلية التالية: حيث أن الإنفاق الاستثماري سواءً الخاص أو العام أو الحكومي أو الأهلي هو عادة موضوع تحولات كبيرة وغير قابلة للتنبؤ فإذا انخفضت ثقة أصحاب الأعمال والمستثمرين فإن الإنفاق الاستثماري سيتدنى أو قد يتوقف وسيؤدي ذلك إلى خفض دخول العاملين وبالتالي إلى خفض إنفاقهم الاستهلاكي مما يؤدي بالضرورة إلى تدني مستويات التشغيل ولانخفاض دخول العاملين في مجال إنتاج السلع والخدمات ويؤدي ذلك كله إلى انخفاض في الدخل الكلي والإنتاج بمقدار أكبر من الانخفاض الذي حصل أصلاً في الإنفاق الاستثماري وهذا الربط بين الإنفاق الاستثماري أو الإنفاق الحكومي أو الصادرات من جهة إلى الدخل أو إلى إنفاق المستهلك ثم على الدخل هو ما اصطلح على تسميته بأثر المضاعف إن معرفة تلك التأثيرات تساعد على فهم عدم قدرة اقتصاد ما على التعافي على نحو سريع في حالة انخفاض الإنفاق الاستثماري إذ أن هذا الانخفاض سيصاحبه انخفاض في الطلب الاستهلاكي وفي حال حصول ذلك ستتزعزع ثقة أصحاب الأعمال بالمستقبل وهو أمر ليس بالسهل استرجاعه.
وعلى نسق مضاعف الاستثمار هناك مضاعف التجارة الخارجية الذي يقيس الزيادة في الناتج المحلي الناجم عن الزيادة في الصادرات.
وكذلك الحال في مضاعف الإنفاق الحكومي الذي يقيس زيادة الدخل الكلي الناجم عن إنفاق حكومي بالمرافق العامة أو البنية التحتية مثلاً.
ما يمكن قوله في النهاية أن أي تحسن في بيئة العمل الاقتصادي مع وجود فرص استثمارية واعدة وذات جدوى ستؤدي في سورية إلى حدوث استثمارات إضافية ستقود إلى سلسلة من الزيادات ستطال جميع أركان العمل الاقتصادي وستؤدي لزيادة الناتج المحلي الإجمالي والفردي وتحسن سريع في مستويات المعيشة وخلق فرص العمل وهذا ما تحتاج إليه اليوم بشكل كبير.

العيادة الاقتصادية السورية

Syrian Economic Clinic