الرئيسية / استثمار و أعمال / سرقة موصوفة..أخطر أنواع التجارة تهدد مصائر السوريين…
احتكار

سرقة موصوفة..أخطر أنواع التجارة تهدد مصائر السوريين…

 

الخبير السوري:

لم يعد الأمر يحتمل التساهل ولا التغاضي ولا المجاملات، فالتهريب آفة حقيقية، ولا خيار آخر نحوها سوى التصدي والمكافحة وبلا هوادة، فهذه الآفة لا تنخر الاقتصاد الوطني وحده، وإنما تنخره وتنخر معه أشياء كثيرة، وذلك كيفما كان هذا التهريب، من الداخل إلى الخارج، أم من الخارج إلى الداخل.

مخاطر الاستيراد تهريباُ

إن كل سلعة خارجية تصل البلاد بشكل مهرّب، فإنها – وقبل كل شيء – تكون قد مدّت يدها إلى الخزينة العامة للدولة، وكأنها قد سرقت من تلك الخزينة مبلغاً من المال، لأن هناك شروطاً لكل سلعة تدخل البلاد، وعلى من يستجرها أو يستوردها أن يؤديها على شكل ضرائب ورسوم لصالح خزينة الدولة، وفي مقدمتها الرسوم الجمركية، التي لا تقتصر وظائفها على تغذية خزينة الدولة، وإنما تتسع مروحتها لتكون معياراً تستخدمه الدولة ارتفاعاً أو انخفاضاً من أجل حماية الصناعة الوطنية، والإنتاج الوطني بشكلٍ عام.

فعند استيراد الملابس – مثلاً – فإن الدولة تفرض عليها رسوماً عالية كي يضطر المستورد لرفع أسعارها عند البيع للمستهلك، فتبقى هذه الملابس المستوردة مرتفعة السعر بالنسبة للمنتجات الوطنية من الملابس التي تُصنع في الداخل، ومعنى هذه العملية بالنهاية الحرص على جذب المستهلكين نحو اقتناء الملابس المُنتجة وطنياً، وهي بالتالي سياسة تسويقية تعتمدها الدولة بشكل غير معلن في خدمة المنتجات الوطنية.

أما إن دخلت هذه الملابس تهريباً فهذا يعني حرمان الخزينة من الرسوم الجمركية ومختلف الضرائب والرسوم الأخرى، وبالتالي التخفيف من المقدرة المالية للدولة تجاه أداء الخدمات لمواطنيها، وإقامة المشاريع التنموية التي تحتاج بطبيعة الحال إلى تمويل، وكان من شأن هذه المشاريع أن تساهم في إنعاش الاقتصاد الوطني، فضلاً عن إيجاد فرص العمل الجديدة للشباب الذين ينضوون في دائرة البطالة ينتظرون الفرصة، ما يعني أن التهريب يساهم نسبياً في زيادة معدلات البطالة، التي تساهم بدورها في زيادة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وانحسار المبادرات الإبداعية، باعتبار أن البطالة تحرم الشباب تلقائيا من القدرة على تشكيل أسرة نتيجة انعدام الدخل وعدم التمكّن من الانفاق، وتحجب عن البلاد طاقات إنتاجية تبقى كامنة نتيجة التعطيل، فهؤلاء الشباب العاطلين عن العمل كان يمكن لهم أن يقدّموا إنتاجاً إضافياً لمصلحة البلاد في مجالات مختلفة، غير أن بطالتهم لا تُتيح ذلك، كما أن المبدعين من الشباب العاطلين عن العمل ينصرفون عن أي إبداع نتيجة طغيان الهمّ الأكبر الذي يجتاحهم والمتمثل في تأمين لقمة العيش، فيشغلهم هذا الهم عن التفكير بأي من الحالات المبدعة، هذا بالإضافة إلى ما يمكن للبطالة أن تقود العاطلين عن العمل نحو الانحراف والانجراف باتجاه ارتكاب الجرائم، وربما تعاطي المخدرات هروباً من واقع مظلمٍ بآفاقٍ مغلقة ..!

كما أن دخول الملابس تهريباً يساهم بشكل طبيعي في ضرب صناعة الملابس الوطنية المشابهة، لأن عدم خضوع الملابس المهربة إلى الضرائب والرسوم يعطيها هامشاً واسعاً لتخفيض أسعارها، فتجذب المستهلك نحوها مبتعداً عن المنتج الوطني، وهذا ما يساهم في تحقيق الخسائر للمنتجين الوطنيين، أو على الأقل فوات لأرباح ممكنة، وتصاب عجلة الإنتاج الوطني بالجمود، وقد يصل الأمر إلى إغلاق بعض المصانع، أو على الأقل تعطيل بعض خطوطها أو تخفيض طاقاتها الإنتاجية نتيجة زيادة العرض الذي تفعله المهربات على حساب ضعف الطلب على المنتج الوطني، وهذا الأمر يُحدث اختراقات في المشهد لتصل إلى زيادة معدلات البطالة، فقد تلجأ المصانع المتعطلة أو التي تخفض من طاقاتها الإنتاجية إلى الاستغناء عن بعض العاملين الذين كانوا قد خرجوا من مستنقع البطالة ليجدوا أنفسهم قد عادوا إليه من جديد، ولتصل الاختراقات أيضاً إلى انخفاض مستوى الاستثمار وتراجعه، لأن تلكؤ الصناعة الوطنية وعدم قدرتها على تسويق منتجاتها بسبب وجود بضائع مهربة منافسة، يساهم تلقائياً بضرب المناخ الاستثماري، لعدم وجود محفزات تشجع على الاستثمار، وهذا يؤدي إلى تكاثر القيم السلبية المضافة على الاقتصاد الوطني والمنحى الاجتماعي من خلال أن عدم وجود محفزات استثمارية يعني ركود في الاقتصاد وجمود في الاستثمار وزيادة في حجم ومعدلات البطالة .. إلى آخر سلسلة المخاطر التي تلي ذلك ..! وقس على هذا المنوال مختلف السلع والمنتجات الوطنية التي سرعان ما يدحرها التهريب.

مخاطر التصدير تهريباً

طبعاً للتهريب مخاطر بالاتجاهين سواء كان استيراداً أم تصديراً، وإن كان التهريب استيراداً يضر الدولة والمنتجين، ويفيد التجار والمستهلكين، فإن التهريب تصديراً يفيد المنتجين والتجار ويضر الدولة والمستهلكين .. فالدولة هي المتضرر الأكبر من التهريب إن كان استيراداً أم تصديراً، وبعد أن ذكرنا آثار ومفاعيل التهريب استيراداً على الدولة، ما هي آثار التهريب تصديراً على الدولة ..؟

من الطبيعي أن تقوم الدولة بحصر منتجاتها من الناحية الإحصائية لتُدرك حجم الإنتاج، وتقارنه مع حجم الاستهلاك محلياً، وتقف بعد ذلك على حجم الفائض من الإنتاج، الذي يكون جزء منه – وليس كله – هو القابل للتصدير، إذ لا بد من وجود فوائض في السوق تحافظ على مستوى العرض الذي يعطي فسحة أمام الطلب، ما يعطي الشكل السليم للمنافسة، التي تؤدي إلى توازن الأسعار، وهذا أمر ينسفه التصدير تهريباً عن بكرة أبيه .. هذا من ناحية.

ومن ناحية ثانية فقد تلجأ الدولة إلى دعم التصدير وإعفائه من مختلف الضرائب والرسوم والتبعات، لا بل وقد تذهب إلى أبعد من ذلك، كأن تدعم المصدرين بالمال أيضاً لقاء قيامهم بعمليات التصدير، وربما تُخفّض لهم من تكاليف النقل بحراً أوجواً أو براً، أو حتى تعفيهم من تلك التكاليف، ولكن هذا لا يعني أن الأجواء والمعابر والبحار باتت مفتوحة كيفياً أمام المصدرين، فلا بدّ للدولة من أن تقف وبوضوحٍ كامل أمام ما يتم تصديره، لتدرك جيداً حجم الدعم المقدّم .. ولمن كان ..؟ ولتقف على حجم الصادرات أيضاً، وتوازنها مع حجمي الإنتاج والاستهلاك المحلي، كي تستطيع اتخاذ القرار السليم باستئناف التصدير أم بتقليصه أو إيقافه، والتصدير تهريباً يحجب عن أجهزة الدولة هذه المعطيات كلها، الأمر الذي قد يستنزف السوق، ويتراجع العرض لسلعة معينة فيزداد الطلب عليها وتذهب أسعارها باتجاه الارتفاع، فتزداد الحياة صعوبة أمام المستهلكين، ويتراجع مستوى المعيشة.

وقد يكون للدولة اشتراطات على المصدرين على الرغم من دعمهم – وبما لا يؤثّر على نشاطهم وأرباحهم – كأن تفرض عليهم تسليمها القطع الأجنبي الناجم عن التصدير أو نسبة منه، وإعطائهم قيمته بالليرة السورية، وذلك ترميماً لاحتمالات وجود نقص بالقطع الأجنبي، أو حتى في حال عدم وجود نقص، فالدولة معنية دائماً بتغذية احتياطياتها من القطع الأجنبي، وطبعاً التهريب تصديراً ينسف هذه الأمور .

الشيء الأصعب بعمليات التصدير تهريباً هو استنزاف السوق، وتقليص عرض السلع والمنتجات المحلية بشكلٍ كبير، بل وسرقتها من أمام المستهلكين الأحق، فيزداد الطلب دون أن يزداد ..! أجل فالطلب هو كما هو على الأغلب ولا يزداد إلاّ بشكلٍ تدريجي طفيف، وبما يتناسب مع النمو السكاني، أو مع زيادات طارئة ومؤقتة على عدد السكان، كما في حالة التوارد الكثيف للأفواج السياحية مثلاً، ولكن فإن كل متابع للمشهد السوري اليوم يدرك جيداً أن النمو السكاني في حالة من التراجع – كحصيلة .. ونتيجة الأحداث والحرب الجائرة على سورية – كما أنّ الأفواج السياحية مقطوعة بطبيعة الحال، ومع هذا فإن هناك ارتفاعات هائلة للأسعار، وهذا يعني أن هناك حالة فاقعة من التصدير تهريباً.

صحيح أن الحرب قد ساهمت في تقليص الإنتاج الصناعي والزراعي وانحسار الثروة الحيوانية، غير أن السنوات الأخيرة ومع عودة مساحات واسعة من الأراضي السورية بفضل بطولات الجيش العربي السوري تحرّكت عجلة الإنتاج أكثر، وبدأت عمليات ترميم فواقد الثروة الحيوانية، ما يعني زيادة عرض المنتجات وانخفاض أسعارها، أو على الأقل استقرارها بالمعقول، ولكن كلنا يرى ما الذي حلّ بالأسواق .. وكيف ارتفعت الأسعار إلى حدودٍ مجنونة ..؟!!

أسعار اللحوم مثلاً كان من المفترض أن تنخفض بشكلٍ كبير، لأن الأمطار كانت ممتازة على مدى عامين، ما يعني أن المراعي ستكون وفيرة، وسينعم المربون بتقليل كلفة الأعلاف إلى حدّ كبير، كما أن قطيع الأغنام أو الأبقار سينمو بشكل جيد، والذي حصل أن المربين وفّروا أعلافاً بكميات كبيرة فعلاً، والقطيع نما .. ولكن الأسعار اشتعلت ارتفاعاً، وازدادت نحو أربعة أضعاف عما كانت عليه في سنوات القحط والجفاف ..!!

لا سبب في ذلك سوى التهريب تصديراً والذي يجري على قدمٍ وساق، وقد أكدت جمعية اللحامين في دمشق غير مرة أن عمليات تهريب الأغنام تجري بكثافة على الحدود السورية مع البلدان المجاورة، كما أن هناك تأكيدات من مصادر متعددة بأن تهريب الأغنام السورية إلى الخارج يتم بكثافة فعلاً ..!

وكذلك الأمر بالنسبة للخضار والفواكه، ومختلف المنتجات السورية التي شهدت ارتفاعات شاذّة بالأسعار كان هذا كله ناجماً عن التصدير تهريباً.

التلاعب بالعملات

وفي ظل هذا التهريب استيراداً وتصديراً تأتي مشكلة ثالثة وهي المضاربات المالية والتلاعب بالعملات، لتكمل حلقة الضرر الجسيم على الاقتصاد وعلى الواقع المعاشي للناس، حيث انخفضت القوة الشرائية لليرة في جانب كبير منها جراء عمليات تهريب القطع الأجنبي واحتكاره، وتدفق هذه العملات أحياناً – عبر السوق السوداء – من أجل المضاربات وتشويه القيمة الحقيقية لليرة، إذ يقوم المضاربون بطرح الدولار – مثلاً – بسعر معين يتهافت عليه الكثيرون، فيباع لهم، ثم يقوم البائعين بشرائه بسعر أعلى فيقوم من استحوذ عليه ببيعه لتحقيق أرباح تكون كبيرة وواضحة، فينعكس هذا بطبيعة الحال على شكل انخفاضٍ للقيمة الشرائية لليرة، وتكرر العملية مرات ومرات بدعمٍ من قوى ضغط خارجية تريد السوء لسورية، حيث تقوم بضخّ ما تحتاجه هذه العمليات التلاعبية من أموال ولا تبالي، إلى أن تفقد الليرة الكثير من قيمتها كما هو الوضع حالياً، نتيجة التدفقات المالية غير المشروعة وبالاتجاهين ..!

وفي الواقع فإن التدفقات المالية غير المشروعة تعتبر إحدى الوسائل التي تضر باقتصاديات الدول وتحرم الشعوب من فوائد التنمية وعوائد اقتصاد بلادها، كما أنها تمثل خطراً كبيراً لجهة انتشار الإرهاب والجريمة.

وترى منظمة النزاهة المالية العالمية، أن التدفقات المالية غير المشروعة بسبب إساءة استخدام التجارة تُشكل سمات هامة ومستمرة لتجارة البلدان النامية مع الاقتصادات المتقدمة، ولذلك فإن سوء استخدام التجارة يمثل عقبة أمام تحقيق النمو المستدام والعادل في العالم النامي.

وتعتبر المنظمة أن التدفقات المالية غير المشروعة هي أموال يتم كسبها أو استخدامها أو نقلها بطريقة غير قانونية والتي تتجاوز الحدود الدولية، حيث تتضمن هذه الطريقة تحريف متعمد لقيمة الواردات أو الصادرات من أجل التهرب من الرسوم الجمركية والضرائب على القيمة المضافة، أو غسل عائدات النشاط الإجرامي، أو إخفاء عائدات المعاملات التجارية المشروعة في الخارج.

أخيـــــراً

إن كل ما يجري حولنا ومعنا في هذه الأيام سواء بالإطباق علينا بطريقة غير مسبوقة بارتفاع الأسعار، أم بانخفاض الدخل جراء تراجع القيمة الشرائية لليرة، والتضخم الشديد، وانتشار البطالة ، والانخفاض الذي بات مخيفاً لمستوى المعيشة، هذا كله ناجم بأغلبه من هذه الحالات الثلاثة ( الاستيراد تهريباً – والتصدير تهريباً – والتلاعب بالعملات ) وفي ظل ما يحيط بنا من مخاطر حصار وعقوبات جائرة، لا بدّ من التفرّغ – وليس فقط الاهتمام – من أجل بتر هذه الحالات الثلاثة، لأن الحصار وحده، والذي سيتضاعف اليوم مع وضع قانون قيصر موضع التنفيذ، كفيل بإساءة الأحوال إلى حدودٍ مخيفة، فعلى الأقل عسانا ننهي ما نحن قادرون عليه، لنكون قادرين الاعتماد على أنفسنا فعلاً، أما إن كان حصارنا سيستمر من الخارج والداخل أيضاً، فلا شك بأننا قادمون إلى أوخم العواقب .

سيرياستيبس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*