الرئيسية / اهم التصنيفات / الجار اللبناني يدخل ” حقل الألغام”…بين رفع الدعم…أو إهدار الودائع وبيع الذهب ..ضاعت البوصلة!
مصرف مصارف

الجار اللبناني يدخل ” حقل الألغام”…بين رفع الدعم…أو إهدار الودائع وبيع الذهب ..ضاعت البوصلة!

الخبير السوري:

هل يتوقّف الدعم بشكل كامل خلال أسابيع قليلة؟ هل يتمّ استخدام ما تبقّى من أموال المُودعين ب​الدولار​ الأميركي لدى ​المصرف المركزي​؟ هل يتمّ بيع ​الذهب​ وأملاك ​الدولة​؟ أسئلة كثيرة تقضّ مَضاجع الكثير من اللبنانيين فماذا عن الإجابات؟.

بداية، لا بُدّ من الإشارة إلى أنّه من ضُمن المشاكل العميقة والخطيرة التي يُواجهها لبنان، مُشكلة ​العجز​ في ميزانيّة الماليّة. وهذه المُشكلة تزداد عُمقًا وخُطورة، بفعل استمرار ما يُسمّى بالدعم، أي قيام المصرف المركزي بتمويل شراء مجموعة من السلع و​الأدوية​ والخدمات، إلخ. التي تصل إلى اللبنانيّين بغير سعرها الحقيقي الذي أرتفع كثيرًا خلال الأشهر الماضية. وهذا الدعم الذي أستهلك عشرات مليارات الدولارات في السنوات الماضية، يتواصل حاليًا بوتيرة سريعة جدًا، بسبب الفارق الكبير بين ​سعر الدولار​ “المَدعوم” وسعره الحقيقي في السوق السوداء، حيث يتمّ هدر ما بين 500 إلى 600 مليون دولار شهريًا!.

ومع استهلاك احتياط المصرف المركزي المالي بشكل كامل، باتت السُلطة في لبنان أمام خيارين مُرّين: الأوّل وقف الدعم كليًا، وبالتالي ارتفاع أسعار الأدوية و​البنزين​ والمُشتقّات النفطيّة على أنواعها وفواتير ​الكهرباء​ وأسعار ​الطحين​ وبعض السلع الغذائيّة بشكل جُنوني، والثاني استمرار النزف المالي من خلال اللجُوء إلى استخدام المبلغ المُتبقّي من أموال المُودعين بالدولار الأميركي المُودعة في ​المصارف​، والمَوجودة كاحتياط إلزامي لدى ​مصرف لبنان​، أي نحو 17 مليار دولار أميركي، وكذلك من خلال اللجوء إلى بيع الذهب وتسييله، أيّ تحويل عائدات البيع إلى أموال نقديّة لاستخدامها في تمويل المصاريف.إشارة إلى انّ الحديث خلف الكواليس عن احتمال بيع الذهب يتجدّد دوريًا، منذ أولى أزمات انهيار العملة في لبنان قبل أكثر من ثلاثة عُقود ونصف، وتحديدًا منذ العام 1986 حتى اليوم، مع العلم أنّ لبنان يحتلّ المرتبة الثانية عربيًا بعد المملكة العربيّة السُعوديّة والعشرين عالميًا على مُستوى قيمة احتياط الذهب(1). ويُوجد أيضًا من يدعو إلى التصرّف بأملاك الدولة اللبنانيّة العديدة، وبمؤسّساتها، عبر بيعها للقطاع الخاص ولشركات استثمارية أجنبيّة.

وما يحصل حاليًا من قبل السُلطة السياسيّة هو عبارة عن مُحاولات لشراء الوقت، عبر الهُروب إلى الأمام، والسلفة الأخيرة التي مُنحت لمؤسّسة ​كهرباء لبنان​ أخيرًا(2) هي خير دليل على ذلك. لكنّ هذه السياسة التي تفتقد إلى أيّ رؤية إنقاذيّة لا يُمكن أن تدوم كثيرًا، حيث أنّ شهرين أو ثلاثة بالحدّ الأقصى يفصلان لبنان عن استنزاف كامل الأموال التي لا يزال بإمكان المصرف المركزي استخدامها، وعندها ستتصاعد الضُغوط بين من يدعو إلى وقف الدعم كليًا حتى لو ارتفعت أسعار البنزين والأدوية والخبز وفواتير الكهرباء وغيرها الكثير أضعافًا عدّة، ومن يدعو إلى استمرار الدعم عبر توفير المزيد من الأموال بالعملة الأجنبيّة، عن طريق ما يُسمّى “سلفة” من أموال المُودعين، علمًا أنّ ما يحصل هو سرقة مَوصوفة، لأنّ الاستمرار بالتصرّف بأموال ائتمنها المُودعون لدى المصارف في ظلّ معرفة الجميع أنّ لا أحد قادر على إعادتها، هو سرقة في وضح النهار، وجريمة يُعاقب عليها القانون نظريًا!.

وبدلاً من العمل ليل نهار لحلّ الأزمة السياسيّة، تمهيدًا للبدء بتنفيذ خطة إنقاذ اقتصادية – ماليّة واضحة المعالم، تُحضّر السُلطة الأجواء لحرف الانتباه في اتجاه معركة شدّ حبال بين أغلبيّة من الناس صارت تحت خطّ الفقر، وهي ترفض بالتالي بأيّ شكل من الأشكال رفع الدعم، بغضّ النظر عن الحلّ الذي ستعتمده السُلطة لإبقاء هذا الدعم، وفئة واسعة من الناس ذاقت الأمرّين عند رؤية جنى عُمرها في المصارف يُسرق أمام عينها، وتخشى الإجهاز على ما تبقّى من ودائعها الماليّة القليلة، واللجوء إلى خيارات مُدمّرة أكثر للثقة، وستُسبّب حتمًا مزيدًا من التضخّم والانهيار، مثل بيع الذهب وأملاك الدولة، إلخ. في تتمّة للسياسة العشوائيّة المُتمثّلة بطبع العملة الوطنيّة من دون أيّ تغطية، بشكل ساهم بزيادة حدّة التضخّم الحاصل، بعد أن ارتفعت الكتلة النقديّة بالليرة اللبنانيّة إلى نحو 40 ألف مليار ليرة لبنانية.

وفي الخلاصة، وفي ظلّ هذا الواقع المُزري، أما حان الوقت لأن يعي المسؤولون في لبنان خُطورة ما آلت إليه الأوضاع على مُختلف الصُعد، فيُقدّمون كل التنازلات المَطلوبة، للمُباشرة فورًا ومن دون أّي تأخير إضافي، في إنقاذ ما يُمكن إنقاذه، أم أنّ يأس الناس واستحالة قيام ثورة في بلد مَقسوم طائفيًا ومذهبيًا وسياسيًا وحزبيًا، يجعلهم ينامون على حرير من مُنطلق “أنا ومن بعدي الطوفان”؟!

(1) يمتلك لبنان ما بين 280 و290 طُنًا من الذهب، وتُقدّر قيمتها بما لا يقلّ عن 17 مليار دولار أميركي.

(2) أقرّ مجلس النوّاب مطلع الأسبوع الماضي إعطاء مؤسّسة كهرباء لبنان سلفة خزينة بقيمة 200 مليون دولار لعام 2021.

النشرة – ناجي س. البستاني