مزاريب الهدر الدفاقة تستمر وتستمر…أساطيل السيارات الحكومية أكبر بوابة نزيف حاد..ونتحدث عن ضغط النفقات

الخبير السوري:

رغم تحمّل الحكومة أعباء كبيرة بموضوع إصلاح السيارات العامة (المتهالكة) والتي أصبحت قديمة وانتهى عمرها الفني، إلا أن أعباء الإصلاح تبقى تشكل رقماً كبيراً يندرج تحت مسمى الهدر وضياع المال العام بسبب تهالك تلك السيارات وقدمها، إذ إن بعضها يعود لعام 1975، ونفقاتها كبيرة، والنتيجة مزيد من الأعباء المالية تتكبّدها الحكومة، ففي نظرة عامة على مختلف مؤسسات القطاع العام نجد أن كل قطاع يمتلك أسطولاً من السيارات المتهالكة والتي تحتاج إلى إصلاحات دورية وموازنة خاصة، إذا ما تم احتسابها، فهي كفيلة بشراء سيارات جديدة.

نتناول في هذا الموضوع نقاطاً عدة: أسباب الإصلاحات المتكررة وغلائها، ما ضوابط ومعايير الإصلاح؟ وإلى أين وصلنا في موضوع استبدال السيارات بجديدة؟ وهل نحن قادرون فعلاً على إنجاز هذه الخطوة؟

إصلاحات مكلفة!

كما باقي تفاصيل الحياة اليومية، نجد أسعار قطع الغيار والإصلاحات المتكررة كاوية، سواء كانت على حساب المؤسسة أو على حساب “مستلم السيارة”، فسعر البطارية مليونا ليرة على حساب المؤسسة واستبدال الدواليب بشكل دوري كذلك يكلف ملايين الليرات.

يحدثنا (أبو أيمن)، وهو”سائق لسنوات في مؤسسة عامة في “دردشة قصيرة” عن موضوع السيارات الحكومية، فيقول: على سبيل المثال سيارة شام أعطالها كثيرة وقديمة وتحتاج إلى إصلاح جذري أو تبديل، وكذلك السيارات القديمة من جيب و”سوزي”، “بلوعة” بنزين وإصلاح، وقس على ذلك هذا المشهد الذي يتكرر في مختلف المؤسسات.

وأضاف: توجد في بعض المؤسسات مرائب للإصلاح، ويتم تزويد السيارات بزيت أو مانع تجمد وغيرها بسقف مالي محدد، بينما الإصلاحات الخارجية تبقى على حساب المكلف الشخصي بالسيارة، كأعطال تتعلق بالهيكل الخارجي أو كسر بللور، لذلك فإن كلف الإصلاح غالية، وغالباً لا يتم إصلاحها.

ويتساءل: لماذا لا تلجأ المؤسسة إلى استئجار سيارات حديثة بموازاة إنشاء مركز إصلاح بإشراف ومراقبة جهات حكومية موثوق بها، وعندها توفر أموالاً طائلة يتم استخدامها في مطارح أخرى أكثر جدوى؟

ارتفاع الضرائب أيضاً

أسباب الغلاء معروفة للجميع، أولها الغلاء العام، ومنها أجور أعمال صيانة السيارات، يقول نائب رئيس جمعية إصلاح السيارات سالم الزرقاوي: إن الأجرة الرسمية لفك محرك 700 ألف ليرة تبعاً لنوع السيارة والميكانيك، وكذلك ارتفاع الضرائب التي تفرضها وزارة المالية على كل محل ميكانيك والتي تصل أحياناً إلى ستة ملايين ليرة سنوياً، وأجور النفايات نحو مليون ونصف مليون ليرة للمحافظة، وكهرباء وهاتف ما بين ثلاثة وأربعة ملايين ليرة.

    م. عودة: الانتهاء من دراسة الاستبدال وسيتم على مراحل

ووفق الزرقاوي، من الأسباب الموجبة للغلاء موضوع القطع التبديلية بسبب الجمارك، الأمر الذي فرض على التاجر أن يودع في البنك مبلغاً معيناً، في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون هناك مرونة في هذا الموضوع مثل إلغاء (التمويل)، وبالتالي فتح المجال للتنافس وبالتالي تكون العروض أكثر.

من الواقع

السمة المشتركة بين أغلبية المؤسسات هي وجود أعداد كبيرة من السيارات المتهالكة ما زالت على قيد العمل، ولمعرفة واقع هذه السيارات وتقييمها اتجهنا إلى وزارة النقل التي تعد حالتها مقاربة إلى حدّ كبير لحال بقية القطاعات العامة.

ولخّص مدير الخدمات المشتركة في وزارة النقل م . خالد عودة واقع سيارات قطاع النقل كبقية القطاعات، فهي متهالكة وصلاحية الكثير من السيارات شبه منتهية، إذ إن استهلاك بعضها من الوقود عالٍ وتكلفة إصلاحها كبيرة، وبيّن أن ملاك وزارة النقل (الإدارة المركزية) 67 آلية والميزانية المخصصة لنفقات الإصلاح مقدرة بـ٨٠ مليون ليرة.

وأكد م.عودة أن تكلفة الإصلاح تختلف من سيارة إلى أخرى، فالسيارة الكبيرة (الباصات) قد تصل إلى نحو 35 مليوناً، بينما سيارة ثانية أقل من خمسة ملايين ليرة، لافتاً إلى أن تكاليف الإصلاح حالياً مرتفعة كبقية تفاصيل الحياة، ناهيك بعدم توفر القطع الجديدة في الأسواق المحلية، ما يضطرهم لشرائها من سوق المستعمل.

أسس الاهتلاك

ولضبط موضوع الإصلاح والتجاوزات تم وضع عدد من المعايير، ووفق م . عودة، حيث حدّد القرار/ 5/ للعام الحالي معايير استهلاك السيارات الحكومية (الخدمة ) بما يحدد عمر الآلية والمسافة المقطوعة، مبيناً أنه فيما يتعلق بالمحرك وعلبة السرعة والبطارية وبقية أجزاء السيارة وبما يضبط الإنفاق فإنها تتضمن أن يعد اهتلاك المحرك طبيعياً إذا قطعت السيارة مسافة كيلو مترية مقدارها 300 ألف كم أو أمضت عشر سنوات على استثمار المحرك. وفيما يخص المحرك المجدد الذي أجريت له عمرة كاملة يعد اهتلاكه طبيعياً إذا قطعت السيارة مسافة 150 ألف كم أو أمضت خمس سنوات على استثمارها.

وكذلك تضمنت المعايير أنه يعد اهتلاك علبة السرعة للسيارة الجديدة (اليدوية ) طبيعياً إذا قطعت السيارة مسافة كيلومترية مقدارها 300 ألف كم أو أمضت مدة 8 سنوات على استثمارها.

وفيما يخص الإطارات يعد اهتلاكها طبيعياً إذا قطعت مسافة 60 ألف كم أو أمضت أربع سنوات، وكذلك المدخرات بعد مضي مدة سنتين على استثمارها.

ضوابط الإصلاح

وعن ضوابط الإصلاح من ناحية التكاليف وفق قرار مجلس الوزراء رقم 5، بيّن عودة أنه يمنع تجاوز الحد الأقصى للمبالغ المحددة عند إصلاح مركبات الخدمة الآلية على مدار العام إلا بموافقة خطية من الوزير المختص، بناءً على تقرير فني يبين مبررات ذلك.

وحددت الضوابط مبلغ خمسة ملايين ليرة لإصلاح السيارات الخدمة بأنواعها “السياحية – حقلية – بيك آب – دبل كبيرة”، وحدد مبلغ عشرة ملايين لإصلاح سيارات الركوب المتوسطة (الميكرو باص) وسيارات الركوب الكبيرة (الباصات) وسيارات النقل الكبيرة التي لا يتجاوز وزنها الإجمالي 11 طناً، واستبعد القرار قيمة (الإطارات – المدخرات –المصافي – الفلاتر – قشط – المحرك الخارجية – الزيوت –المشفرات- المساحات) من الحدّ الأقصى.

وفيما يخص السيارات المخصصة وفق القرار 48 تم تحديد مبلغ خمسة ملايين وتستبعد منها أيضاً الإطارات- المدخرات _عمرة المحرك – علبة السرعة.

إذاً ما الحل؟

أكثر من رأي أجمع على طرح إنشاء كراج موحد يتبع للقطاع العام، أي تحت إشراف الحكومة، لكن من وجهة نظر م.عودة يصعب تنفيذ هذا الحل لعدة أسباب، أولها: صعوبة التعاقد مع عاملين أو فنيين من خارج الملاك الوظيفي لصعوبة التعاملات المالية الطويلة الأمد، وعدم استقرار سعر الصرف، وهذا ما يتسبب بنفقات إضافية وهمية على الأجر الحقيقي للإصلاح والنتيجة مزيد من الهدر، إضافة إلى صعوبة توفر الأيدي العاملة والخبيرة في هذا الشأن.

وأضاف: إن الحل يكمن بالعودة إلى استبدال السيارات القديمة ما قبل عام 2000، وهذا فيه ضمان خمس سنوات، لأن الجديد يحتاج وقوداً وزيتاً فقط، وهذا كان من مقترحات اللجنة المشكّلة من رئاسة مجلس الوزراء بهذا الخصوص وفق قوله.

إنجاز الدراسة

لطالما طرحت فكرة الاستبدال كحل جذري لأسطول متهالك، وهي أكثر وفرة، والسؤال الأهم: أين وصلنا في هذا الموضوع ؟ وما المستجدات؟

ووفق مدير الخدمات المشتركة، تم إنجاز دراسة استهلاك أسطول السيارات الحكومية، إذ تمت دراسة واقع السيارات والآليات الحكومية من الناحية الفنية وفيما يتعلق بالإصلاح والنفقات والاستهلاك من الوقود.

وأضاف: خلصت الدراسة إلى أن الاستبدال بسيارات ذات وفر اقتصادي لا تتجاوز سعة المحرك “1600 سي سي”، والتكاليف لاستبدال السيارات الحكومية بجديدة كل ذلك يتم على مراحل وفق مجموعات لا تتعارض مع سير العملية الإنتاجية، وأكد أنه سيتم البدء بالاستبدال للسيارات الحقلية والدفع الرباعي ذات النفقات العالية كمرحلة أولى، تتضمن البدء بالاستبدال بالسيارات القديمة التي تعود إلى أعوام ما قبل عام 2000 كمرحلة أولى، وكذلك تبدأ المرحلة الثانية استبدال السيارات من عام 2000 وما بعد حتى 2010 والمرحلة الثالثة ما بعد 2010، وسيتم تمويل هذه العملية من قيمة السيارات المبيعة ضمن مزاد علني، وستكون سيارات حديثة لا تقل عن عام 2023.

إيجاد موارد

من وجهة نظر الباحث الاقتصادي عامر شهدا، يجب على الحكومة أن تفكر باستبدال هذه السيارات المتعلقة بالشركات الإنتاجية مثل مؤسسات الهاتف والكهرباء والمؤسسات الصحية، فهي أكثر حاجة للاستبدال، لكن ضمن ضوابط معينة.

أما فيما يخص باقي المؤسسات فيضيف شهدا: لا أعتقد أن هناك جدوى من استبدالها، وإن كانت هناك فعلاً سياسة لترشيد الاستيراد، فيجب إعادة دراسة موضوع السيارات العامة بشكلها العام، ففي الوقت الحالي لا توجد مشروعات للقطاع العام تشجع الحكومة على استبدال سياراتها لأسباب عديدة، أولها: لا تتوفر موارد قطع، إضافة إلى أن ميزاننا التجاري خاسر، فكيف يتم الاستبدال ولا تتوفر الإمكانيات المطلوبة؟ مختتماً بأنه يجب أن نفكر قبل تجديد السيارات بإيجاد موارد تمكننا من استيرادها.

بادية الونوس – تشرين

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

[ جديد الخبير ]