متلبّسون بإدمان الشكوى و ” انتحال” صفة فقراء سوريين.. «طبقة النق» تغرق في دوامة إنكار النعمة

الخبير السوري:

اعتياد الشكوى وتصدير سلبيات الحياة والفقر، كلها أمور تسبب الإحباط عموماً، وتنقل الطاقة السلبية بشكل مباشر إلى الأشخاص المتلقين أو المستمعين، لكن عندما تكون الشكوى من أشخاص من المفترض أنهم بعيدون جداً عن العوز المفرط وحتى المتوسط، ويصنفون في الشريحة الأكثر أماناً مادياً من ناحية تأمين الحياة كامتلاك العقارات أو الأموال المدخرة سواء في البنوك أو المنازل، فهذا يثير التساؤلات حول ماهية الشكوى، ولماذا تتم المواظبة عليها؟ بينما من يعاني فقر الحال لا يصل الى هذا المستوى من الشكوى؟

أسباب متعددة

وربما كانت الأسباب التي تدفع بعض هذه الشريحة أو كثيرين ممن ينتمون إلى ” نادي المترفين”،  وفقاً لتحقيق نشرته صحيفة تشرين ” رشا عيسى”، إلى المواظبة على أسلوب «النق» السلبي وكثرة الشكوى من الأوضاع الاقتصادية، مردها كما يصنفها البعض ممن لديهم صلات مع هؤلاء، سواء عائلية أو صداقة أو لقاءات تفرضها طبيعة العمل أو بعض الهوايات، بأسباب متعددة، حيث يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام، قسم منهم كان في مواقع وظيفية وفرت لهم استفادة وعائدية مادية كبيرة وعندما غادروا الموقع الوظيفي فوجئوا بالأسعار والأوضاع المعيشية المرتفعة التكاليف التي كانت تصلهم ربما بشكل مجاني، ما فرض عليهم مدفوعات تتعلق بالحياة اليومية لم تكن موجودة عندما كانوا في مواقعهم، وقسم ثان اعتبر أنه خاسر مادياً أو خسر بموجب الظروف، وبات يتكلم عن الأسعار ويبث طاقة سلبية، وقد يكون مرد ذلك «الانتقام»، وهم في الحقيقة تجار وأصحاب ممتلكات، وعندما انخفض معدل ربحهم صنفوه خسارة، وقسم ثالث لا يتوقف عن التحليل ويعتقد أنه وحده يرى ويسمع، و«ملكة التحليل» التي يظن أنه يمتلكها غير متوفرة عند أحد سواه.

(طبقة النق)

«طبقة النق» كما يحلو للبعض تسميتها ليس أصحابها من الفقراء عموماً، كما يظهر في الواقع، وأتاحت مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة «الفيسبوك» مساحة واسعة لهم لهذا الضخ المحمل بالمشاعر السلبية، ما يولد شعوراً بالضيق والتشويش، كما أن استمرار هذا النمط في التفكير يولد صعوبة في رؤية الإيجابيات، ويعطل الحياة.

وتفرز الحروب التي تصيب المجتمعات عبر التاريخ طبقات مختلفة في المجتمع، كما تؤدي إلى اندثار طبقات اجتماعية أخرى تأثرت بظروف الحرب عموماً, كما أن تغير الظروف لدى البعض، خاصة عندما يصبحون أثرياء فجأة واكتساب ثروة كبيرة على نحوٍ غير متوقع، يشكل تحديات نفسية وعاطفية للبعض.

وهذا نوع إضافي من المتمسكين بالشكوى، الذين يدخلون خط نشر السلبيات، ربما لإبعاد الانتقاد عنهم أو عما يملكون، ويعتبرون ذلك خطوة استباقية درءاً للحسد الذي يعتقدون أنهم في دائرته، فتشكل الشكوى المستمرة من وجهة نظرهم طوق حماية لإبعاد الأنظار عن ثرواتهم وأعمالهم.

نماذج مختلفة

الدكتورة سلوى شعبان باحثة في القضايا التربوية والاجتماعية توضح أنه تصادفنا وضمن علاقاتنا الاجتماعية نماذج مختلفة من البشر وعلينا أن نعرف كيف نتعايش معها ومع طباعها وطريقة تصرفاتها وردود أفعالها تجاه قضايا المجتمع ومشاكل الحياة.

ولعل من أكثر الحالات التي تعترضنا حالياً هؤلاء الذين يتذمرون ويشكون من الأوضاع وواقع الحال وهم يعيشون تناقضاً مابين الفكر والحياة الخاصة بهم، ونحن جميعاً لدينا نفس الظروف ونفس الأحوال والضغوطات التي تسري على المجتمع بالعموم، ناهيك عن إمكانيات بعض الشرائح والعوائل ورصيدها من مقدرات ومقتنيات تعطيها قوة وثبات ومقدرة أن تعيش أفضل من غيرها، وتوفر لنفسها ما تحتاجه من متطلبات مهما أصابتنا قسوة وتغير في الحال.

التذمر الدائم

لكن الملفت للانتباه -كما تبين شعبان- هو حالة التذمر الدائمة والشكوى المتكررة وأمام الجميع ممن يجالسونهم ويتعاملون معهم بنواح عدة، وهنا تكمن الخطورة من هؤلاء كيف يجعلون أفكارهم السلبية هي المسيطرة والسائدة فيقللون من إيجابية الحديث ويحولونها لسلبية مطلقة تنتقل تلقائياً لأفكار ودماغ المستمع لهم بزيادة مستوى الكورتيزول والذي نسميه هرمون الشدة، وهؤلاء يخافون فقدان ما لديهم بتكرار الشكوى وتواترها المستمر مع أن الفقراء هم من ليس بيديهم ما يجعلهم سعداء لكنهم يمتلكون قناعات وإيماناً ملفتاً بأنهم إذا امتلكوا راحة البال والصحة فهم الأغنياء وهم الأكثر سعادة.

وتشير شعبان إلى أنه إلى جانب هؤلاء المتذمرين لدينا من كان يشغل منصباً ما، ولديه الامتيازات والاستثناءات والمدخرات وما يحصل عليه من هدايا وتميز عن البقية تراه عندما كان جالساً على كرسي المسؤولية يحاضر بالوطنيات ومحبة الوطن والقناعة والتقتير ويرسل رسائله المحفزة للتعايش ضمن الموجود ويشرح إمكانيات الوزارات ويتحدث بحرص شديد يعني انطلاقاً من مسؤوليته، وعندما يفقد هذا المنصب بامتيازاته المتعددة تنقلب الوجوه والأدوار ويصبح ثائراً ضد الوضع العام ويكتب باستهتار وانتقاد بغيض للوطن، وكأن الكون محصور به فقط، وأنه الوحيد العارف وقد تخلى عنه المجتمع، وأحيل للتقاعد، أو أقصي لأسباب أخرى.

هنا تتضح شخصيته المصابة بتشخيص اضطراب الشخصية الهستيري، فيضخ سمومه عبر وسائل التواصل الاجتماعي بكتاباته وآرائه، من دون أن يحسب حساباً لأي كان، ولأي سلطة سواء قانونية وقضائية.

نفاق ومرض

وتؤكد شعبان أن هؤلاء هم المنافقون المرضى أخلاقياً ووطنياً، فاقدو الانتماء والوفاء والاخلاص، الانتهازيون الذين يستغلون الظروف لمصالحهم وغاياتهم والجاعلون الحق باطلاً والمحبة كراهية وبغضاً. والحقيقة كذباً.

فإذا لم يتعظوا ويتراجعوا عما هم فيه فهم البلاء بحد ذاته وعلينا الشفاء منه لأن وجودهم وتكاثر دورهم يؤدي بالمجتمع للتراجع والتدهور وبث الكراهية.

وأمام هذا الضخ اليومي من السلبيات كيف يمكن مواجهة ذلك؟ سؤال يتبادر الى أذهان البعض الذين أرهقهم هذا السيل من الشكوى والأفكار السلبية؟

قد تكون الحلول بسيطة بالنسبة للأشخاص العاديين، وذلك عبر الابتعاد عن النقاشات السلبية، والبقاء محاطين بأشخاص إيجابيين وداعمين، فكل منا يجب أن يعرف مكانه وقيمته وحجمه ويلتزم بالقوانين والتشريعات والعقوبات، ومعرفة واجباته وحقوقه، أما على مستويات أكبر، وفيما يخص الأرقام المتعلقة بأداء الشركات والمؤسسات وطرق العمل، قد يتطلب ذلك تحركاً من  الجهات الرسمية.

التعليقات مغلقة.

[ جديد الخبير ]