الرئيسية / اهم التصنيفات / دردشات من ذاكرة قرية..
ختم خاتم

دردشات من ذاكرة قرية..

أوس عيد – الخبير السوري:

شدني حديث أقارب كبار في قريتي، عن زمن ذلك الرجل المحظي بقبول الجميع تحت اسم “المختار” يختاره الريفيون البسطاء ويولّونه أمورهم وغالباً هو الأكبر سناً والأكثر إمكانات مادية , وصاحب قدرة على إصلاح ذات البين في المنازعات , والأقدر على حل مشكلاتهم ومساعدة ضعفائهم .. فقد كان كما فهمت ذراع الدولة في قريته , ورسول أهل القرية إلى مكاتب المسؤولين المحليين لنقل القضايا المطلبية.

كان المختار  حقيقةً سلطة إدارية وصاحب سطوة مجتمعية،  في يده الحل والربط للكثير من القضايا الشائكة , ولديه سلطة لجم من يتجّبر ويتعسّف على الضعفاء .. أما ختمه الدائري فكان لتيسير أمور أهل القرية ولم يكن “باب رزق” ولا عصا ابتزاز واسترزاق وتصيّد في حاجات أهل مجتمعه .

المقارنة تبدو واجبة مع “مخاتير” أحياء المدن الذين باتوا كما “عبد السلام البيسة” في مسلسل ضيعة ضايعة الفكاهي للمبدع ممدوح حمادة .. وإن كانت حكاية الختم الدائري لإضحاك المشاهد هناك , إلا أنها لإبكاء من يقصد مخاتير أحياء المدن لاسيما في دمشق , فلن اجتهد في الحديث عن سواهم ممن لا أعلم عنهم شيئاً.

المختار هنا في أيامنا الصعبة..بات ” منصب” يسعى له من يسعى بكل ما أوتي من واسطات، ليس حباً بالعمل وخدمة أهالي الحي، بل للاسترزاق أو الارتزاق، وتحويل مكتبه إلى دكان بلا سلع، مادته الختم وبضع ورقيات وادعاء الحرص على ضبط المحلّة دون أي دور اجتماعي حقيقي، من النوع الذي يتطلبه هذا المفصل الهام، كنواة لتطبيق مفهوم الإدارة المحلية وهو نمط من اللامركزية نفخر به في بلدنا سورية.

ماحدا بي للكتابة أنني تعرضت أنا شخصياً، لما يشبه الابتزاز في مكتب مختار محلتنا، عبر ” توجيهاته” بأن أذهب  وأعود لاحقاً، ولاحقاً لأعود وأذهب ثانية، ثم لأذهب وأعود، دون أن تسعفني ” خبرتي البسيطة بأدبيات مخاتير المدن وربما الأرياف أيضا…لأعلم أن علي واجب آخر لم أسدده..

المهم من هذه الحكاية أن نعيد النظر، بطريقة اختيار وتعيين المخاتير، ولا نستسهل مهمة اختيارهم أبداً، و أن نحرص على أن يكونوا من خيرة أهل الحي، إن بحسبهم ونسبهم أو بشهاداتهم،  فليس عيبا أن يكون في جعبة المختار مؤهل جامعي، ومن وجهاء الحي وليس من عطّاليه وبطّاليه، لأن للمختار مهام بالغة الحساسية، وليس مجرد ختم ودرج مفتوح على شكل مطمورة لجباية الغلّة، فلنعيد الألق إلى هذا “المنصب” الذي يستحق لقب منصب، ليكون بالفعل مختار و ليس ” مجبار” على دفع المعلوم والمجهول..؟؟؟لقد كان لقاء سيد الوطن السيد الرئيس بشار الأسد مع أعضاء المجلس الأعلى للإدارة المحلية، لافتا في إشارة سيادته إلى أن الإدارة المحلية بكل هيئاتها هي صلة الوصل المباشرة بين المواطن والدولة، وهي الأقدر على إيصال المعطيات على الأرض وربطها مع بعض، بما يمكن الحكومة من اتخاذ القرارات الصحيحة وفق الأولويات التي تقتضيها حاجات المواطنين.

فربما يكون المختار حلقة فاعلة – ويجب أن تكون فاعلة- فهو رأس خيط الإدارة المحلية، و بداية العلاقة الصحيحة بين المواطن و المؤسسات التنفيذية.