الرئيسية / استثمار و أعمال / هيئة حكومية تفقد البوصلة و تنحدر في مسار خطير
مشاريع صغيرة

هيئة حكومية تفقد البوصلة و تنحدر في مسار خطير

الخبير السوري:

عند مناقشة مجلس الشعب حول أداء وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، في 18 تشرين الأول من العام الماضي أدهشنتي معلومة تقول أن 90 % من المشاريع في سورية هي مشاريع صغيرة ومتوسطة، مبيناً أن لدى الوزارة برنامجا لتحفيز المشروعات الصغيرة مع السعي لتفعيل هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتطوير مهامها وآليات عملها وأن هناك عشرة مشروعات متوسطة ستدخل مرحلة التأسيس قبل نهاية العام.

في الحقيقة إن من يسمع بهذه النسبة 90 % يعتقد مباشرة أننا من البلدان الرائدة في مجال دعم مثل هذه المشاريع وإلاّ من أين لها أن تصل إلى ما وصلت إليه، في حين ما نزال غارقين في تخلفنا عن دعم وإنعاش هذا النوع من المشاريع، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فمن يسمع ذلك سرعان ما يقلل من أهمية علاج حالة الشلل التي ما تزال تسيطر على هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لأن هذا الخلط بين المشاريع الصغيرة والمتوسطة القديمة القائمة، وبين المهام التي على هيئة تنمية المشروعات القيام بها في مجال خلق مشاريع جديدة تساهم في تشغيل الشباب العاطلين عن العمل، وزيادة الإنتاج المنعش للاقتصاد الوطني، هو خلط خطير إن أخذته وزارة الاقتصاد وهيئة تنمية المشروعات على محمل الجد، وجيّرَ هذا الواقع القائم على أنه هو الصورة التي تعكس نشاط وجهود هيئة تنمية المشروعات، وبالتالي هو خط دفاع قوي عن هيئة تنمية المشروعات لضرورة الكف عن المطالبة بتفعيلها وإنعاشها، في حين هو خط دفاعٍ هشٍّ جداً غير قادر على حماية وتغطية حالة الشلل شبه التام التي ما تزال الصفة الأبرز للهيئة أصلاً..!

تحفر قبرها بيدها

الإحصائيات التي تقوم بها هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة نفسهاتشير أنها  أمام حالة الشلل المزمن شبه التام الذي تعاني منه، فقد قررت أن تشغل نفسها  على ما يبدو بشيءٍ ما .. فأحبّت على الأرجح أن تقوم بإجراء مثل هذه الإحصاءات لتعمل شيئاً ما .. باعتبارها لا تعمل شيئاً .. !

وقد سبحت هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة باستنباط أرقام طويلة عريضة، حيث تبيّن معها – مثلاً – أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة ( القديمة القائمة طبعاً ) تشكل من الناتج المحلي الإجمالي ( 41% ) وكانت تشكل سابقاً ( 65% ) كما تبيّن معها أن هذه المشاريع تشكل ( 57% ) من القوى العاملة في سورية، وقال إيهاب اسمندر المدير العام لهيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة بتصريحات صحفية متلفزة بأنّ ( الهيئة ترغب بزيادة هذه النسبة من القوى العاملة وذلك رغم أن هذا العمل يعتبر جيداً ) ..!! أي أن السيد اسمندر يكاد يُعفي نفسه من هذه المهمة، فهي فاترة إلى درجة أنه ( يرغب ) بها اليوم، وهذا يعني أنه قد لا يرغب بها غداً، في حين أن من أولى مهام الهيئة خلق البيئة المناسبة لإطلاق المشاريع الصغيرة والمتوسطة وفتح الآفاق أمام روّاد الأعمال لإيجاد فرصهم في العمل، وإن لم يكن الأمر كذلك فلا داعي لهذه الهيئة من أساسها، فهي بمثل هذه الاهتمامات تخطو في مسارٍ آخر غير مسارها لا بد وأن يوصلها بالنهاية إلى الإلغاء، إن لم يكن ككيان فكطبيعة عمل.. أي كمن يحفر قبره بيديه.

ويستنتج السيد إيهاب اسمندر من إحصاءاته اللامجدية أن هناك مشكلات مكانية وظروف عمل صعبة تواجه هذه المشاريع، كما أن ( 24% ) من هذه المشاريع تعمل بدون تراخيص وهي مشاريع مختلفة الاتجاهات منها ما هو زراعي وصناعي وتجاري وخدمات مختلفة، ولا يوجد أكثر من ( 4% ) منها يتعامل مع قنوات التمويل المصرفية، وقد بيّن هذا الإحصاء أن هناك مشكلات تحتاج إلى حل – يقول اسمندر – وأن ( 75% ) من هذه المشاريع لا تفصل بين الذمة المالية للمشروع والذمة المالية لصاحب المشروع، كما أن ( 57% ) من المشروعات تعاني من مشاكل فنية كعدم توفر قطع غيار وما إلى ذلك، بالإضافة إلى أن ( 70% ) من المشروعات تواجه مشكلة تسويقية ونحن نحاول حلها .. يقول اسمندر .. !

كمل النقر بالزعرور

هكذا أفضت حالة الشلل والضياع لهيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بأن أقالت نفسها من مهامها، وذهبت باتجاه آخر .. لتعمل عملاً آخر وتنسى أو تتناسى أعمالها وواجباتها.

إن كل ما قامت به الهيئة – رغم تعبها فيه – لا طعم له ولا فائدة بالنسبة لانطلاق أعمالها وهي غير معنية فيه أبداً، وهذه حالة خطيرة جداً بأن تتخلى عن مهامها في إطلاق مشاريع جديدة وتتجه نحو الغوص في متاهات المشاكل الفنية والمالية والتسويقية والإدارية لمشاريع قائمة منذ زمان طويل، فما شأنها في ذلك ..؟! لا علاقة لها بهذه المشاريع، علاقتها فقط بالمشاريع التي تطلقها هي – والتي لا تزال عاجزة عنها – وعليها أن تعمل لإنهاء حالة العجز المخجلة هذه وتبدأ بإطلاق المشاريع الصغيرة والمتوسطة الجديدة، وأن يكون اهتمامها يقتصر عليها حصراً دون غيرها، وهذه هي التي عليها أن تتابعها وترعاها وتحل مشاكلها.

أخيراً

نحن نأسف إن كنّا مزعجين لأحد فيما ذهبنا إليه .. ولكننا نرى حجم الآمال الضخم الذي يُعلقه آلاف الشباب على ما يمكن أن ينبثق عن هيئة تنمية المشاريع فيما لو تموضعت في موقعها الصحيح وبدأت العمل بشكل جدي، وكفّت عن هذه الخزعبلات الإحصائية القديمة، لأننا ننتظر منها إحصاءات جديدة عن أعمالها هي .. ومشاريعها هي .. وحجم فرص العمل التي وفرتها هي .. ومساهمتها في التخفيف من نسبة البطالة، وفي زيادة مستوى الإنتاج الذي تضيفه إلى اقتصادنا الكلي، غير أن انحراف الهيئة في مسارها بهذا الشكل، وقيامها بارتداء هذا القناع الذي بدأت تتجه به نحو المشاريع والفعاليات القديمة لتُشغل نفسها بها كبديل للانشغال بمهامها الحقيقية ومشاريعها الجديدة المأمولة .. فهذا أمر لا يبشر بالخير أبداً وهو قناع غير تجميلي على الاطلاق .. وإنما هو قناع مخيف .. وبامتياز ..! سيرياستيبس – علي محمود جديد